تردي الأمة في مهاوي التقليد
الشيخ عبدالرحمن الوكيل
لقد بلغ بالعلماء حد جعلهم يرون أن من خرج من مذهب إلى مذهب يجب تعزيره، واسمع ما يقوله الشيخ العلامة المقبلي فيما أحدثته المذاهب من تفريق الكلمة الإسلامية وما أورثته من بغضاء وشحناء في قلوب المسلمين "استحكمت مفسدة التفرق وأعيت كل طبيب إلى أن صار جماعة يصرحون بالتزام مذهب معين، وربما صرح بعضهم بوجوب ذلك ويسمون ترك ذلك تخبطًا حتى رأيت لبعض المفتين من أهل مكة في العصر القريب منا وقد سئل عن رجل انتقل من مذهبه بغير حجة ولا برهان هكذا ذكره. فانظر إلى أين تدرج الباطل وكل زمان يرحم على ما قبله، نسأل الله العافية[1].
وفي كتاب المغرب لابن سعيد في سنة 326هـ عاد أصحاب مالك والشافعي إلى القتال في المسجد الجامع العتيق وكان في الجامع للمالكين خمس عشرة حلقة وللشافعي مثلها ولأصحاب أبي حنيفة ثلاث فقط فلما زاد قتالهم أرسل الإخشيد من نـزع حصرهم ومساندهم وأغلق الجامع فكان لا يفتح إلا في أوقات الصلاة[2].
بل لقد بلغ الخلاف حده حتى أصبح الحنفي لا يجيز زواج ابنه من شافعية ولكن حنفيًا آخر رد عليه بقوله يجوز قياسًا على الذمية! واغش المساجد الكبرى. وسيروعك أن تجد هنا صلاة جماعة وهناك أخرى وفي الضريح ثالثة وتسأل عن السبب، أهم يهود ونصارى. أهم كاثوليك وبروتستنت. فيقال لك كلا: بل شافعية وأحناف. وكل جماعة تبطل صلاة الأخرى.
ولقد وقع معي وأنا طالب في طنطا أن صليت الصبح وكنت إمامًا. فما راعني إلا أن رأيت المؤتمين ينقضون لاعنين ساخطين على "حتة العيل" الذي لا يدري كيف يصلي وسألت عن السبب فقيل لي لأنك لم تقرأ السجدة ولم تسجد! وفي الأزهر يكيد أصحاب كل مذهب لأصحاب المذهب الآخر. هناك أوقاف وقفت لمن يتبعون مذهبًا معينًا.
وفي عقود النكاح تسمع المأذون يقول: "زوجتك إياها على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان".
يا رحمتاه!! يا رحمتاه للسالفين لم تنفع عقود نكاحهم لأنها لم تك على ذلك المذهب. أرأيت إلى أي حد بلغ التفريق؟ إلى مدى بلغ جرم التقليد؟ بل في مصر لا يجوز أن يتولى القضاء، إلا حنفي المذهب. وهكذا فرقت المذاهب بين المسلمين حتى أصبحوا يتعادون ويتلاحون لا لشيء إلا لأن هذا مالكي وذاك شافعي.
والأئمة رضوان الله عليهم براء من ذلك كله. وما طلبوا من إنسان تقليدهم. بل نعوا أشد النعي على مقلدهم.
وإليك ما قال الأئمة في هذا، قال ابن حنبل: "لا تكتبوا عني شيئًا ولا تقلدوني ولا تقلدوا فلانًا وفلانًا وخذوا من حيث أخذوا" ويقول مالك: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به. وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه" وقال الشافعي: "إذا وجدتم عن رسول الله سنة خلاف قولي فخذوا السنة ودعوا قولي".
وقال أبو حنيفة: "ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس. وما جاء عن أصحابه اخترنا وما كان من غير ذلك فنحن رجال وهم رجال"[3].
أرأيت إلى هؤلاء العلماء كيف طالبوك بجعل حجتك من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعدهم تقليدهم في شيء؟ أرأيت إلى كرامة المؤمن الفكرية كيف تتجلى في كلمة أبي حنيفة: "نحن رجال وهم رجال" ومع ذلك وجد من يقول بأن لا بد من مذهب ومن لا مذهب له فشيخه الشيطان. حتى لقد أصدر علماء الحنفية فتوى بإغلاق باب الاجتهاد من سنة 400هـ!! بل قال النووي... الاجتهاد نوعان: مستقل وقد فقد من رأس المئة الثانية فلم يمكن وجوده. ومنتسب "يعني المجتهد في مذهب معين، وهو باق إلى أن تأتي أشراط الساعة"[4] يعني النووي بهذا أن الاجتهاد محصور في داخل المذاهب فقط، أما أن تجتهد لمذهب جديد فذلك قد انقضى عهده من رأس المئة الثانية. وهكذا يضيقون رحمة الله ويحجرون على العقول ويأبون إلا تصفيد الألباب بأغلال التقليد الذي حاربه الإسلام كما حارب الشرك. فالتقليد أس كل بلاء.
وما استمسكت أمة بالتقليد إلا وقفت في مكانها جامدة متحجرة لا تناسمها حضارة ولا يرف عليها إشراق من حرية الفكر الصحيحة... أما كلمة العقل الحر الذي لا يتقيد بغير ما أنزل ربه ولا يتأسى بغير رسوله العظيم فهي كلمة عز الدين ابن عبدالسلام إذ يقول عن الأئمة الأربعة (لم يكونوا رسلًا لا تجوز مخالفتهم...)[5]. تلك كلمة حق فهل يسمعها من له قلب؟..
تلك حالة الناس في الأمم الإسلامية: تقليد حتى لمن ثبت أنهم كانوا زائفي العقيدة. واتباع كل ناعق بلا روية أما سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد ضربوا بينهم وبينها ألف حجاب.
اخلع أيها الرجل عصابة التقليد من على عينيك وانظر: إن تحت قدميك هوة سحيقة تؤدي بك إلى جهنم... ثم اسمع قول ربك: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 17]...
وتعال معي نسمع حديث المسلمين في العقيدة هنا في مصر، وفي الأزهر وتسمع: نحن أشعريون في العقيدة. أعني أتباع الأشعري في عقيدته. وهناك في أمة أخرى تسمع غير ذلك...
وتسأل أنت من أبو الحسن الأشعري؟ أرسول يجب الاقتداء به؟ أصحابي قد تعذر باتباعه؟ أرجل جعل حجته الكتاب والسنة! أم ما هو الأشعري ومن يكون؟ أجاب عن هذا السؤال العلامة المقبلي في كتابه العلم الشامخ ص223: "أما الأشعري فأين أثره الصالح في الكتاب والسنة الذي انتفع به منتفع واهتدى به متبع إنما جاء منه هذه الأنظار الشائنة لهؤلاء الكهنة لما قدموه على نفوسهم وآثروه على فطرة الله التي فطر الناس عليها".
هذا بينما يجعل ابن السبكي وتابعه القاضي زكريا في اللب أن من العقائد ما ينفع علمه ولا يضر جهله وجعل من القسم الأول أن يعلم أن الأشعري إمام مقدم في السنة... فيا ويل من تقدم الأشعري. ويا ويحك يا عمر. ذهبت إلى ربك ولم تعلم بذلك؟
هذه الكتب الأشعرية تدرس الآن في الأزهر على أنها تمثل عقيدة أهل السنة والجماعة. على أنها هي التي يجب أن يمتلئ بها القلب لينجو صاحبه من نار الخلود. ولو أنك تصفحت هذه الكتب لهالك ما فيها من وثنية. لهالك ما تبثه من مجوسية، لهالك أن ترى فيها كل شيء إلا العقيدة الصحيحة، وهكذا يخرج الأزهر علماء لهداية الأمة...
ونحن لو تأملنا كتب الأشاعرة وامتحنا على ما فيها عقائد المسلمين الصحيحة لوجدنا أن كتب الأشاعرة تحكم عليها بالزيغ والإلحاد واسمع ما يأتي من كتاب المقاصد وهو أهم كتب الأشاعرة ج1 ص318: "أثبت المتكلمون أن أجزاء الجسم هي الجواهر المفردة وأنها متماثلة لا يتصور فيها اختلاف ليثبتوا أن الأجسام متحدة بالحقيقة، وإنما الاختلاف بالعوارض".
وهذا الأصل ينبني عليه كثير من قواعد الإسلام كإثبات القادر المختار وكثير من أحوال النبوة والمعاد" تأمل أيها القارئ الكريم كيف يؤكد الأشاعرة أن لا بد من هذه النظرية نظرية الجوهر الفرد أو الذرة أو الجزء الذي لا يتجزأ[6] وكلها معنى واحد.
لا بد من هذه النظرية الفلسفية لكي يثبت كثير من أهم أصول الإسلام. لولا نظرية الجوهر الفرد ما ثبت وجود الله القادر المختار، ولا ثبتت نبوات، ولا ثبت يوم القيامة!... يا ترى كم من المسلمين بل حتى من العلماء الأزهريين يفقه حقيقة هذه النظرية التي بدونها لا يثبت الإسلام؟ أكان يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كلا وإلا لبينها ليثبت لنا بها القادر المختار، وأنه نبي، وأن هناك قيامة. أعرفها عمر؟ أعرفها ابن حنبل؟. أعرفها مالك؟. أعرفها البخاري؟
وأكتفي بهذا. وللقارئ الكريم أن يتصور إلى أي مدى بلغنا في حسن الاعتقاد نحن والأمم الإسلامية. هذه النظرية الفلسفية ما ابتدعها الأشاعرة. وربما سرقوها سرقة ظاهرة من فيلسوف يوناني قبل سقراط اسمه ديمقريطس كان ينكر أن للإله تأثيرًا في الخلق. فاخترع هذه النظرية ليثبت أن العالم خلق صدفة.
فالعالم من قبل كان ذرات تعصف بها الحركة منذ القدم. هذه الذرات تتحرك بانحراف قليل. فتلاقت ذرات فوجدت الأرض. وتلاقت أخرى فوجدت الشمس، وهكذا نشأ العالم كله دون أن يخلقه إله... هذه هي النظرية. وذلك هو الفيلسوف القائل بها وتلك هي عقيدته.
ومع ذلك يزعم الأشاعرة أن لا بد منها ليثبت وجود الله والنبوة والقيامة! تقليد في الفقه لإمعات، وتقليد في العقيدة لمن ليست لهم عقيدة، ذلك حال المسلمين اليوم. أما الصوفية فلسنا في حاجة إلى أن نشير إلى أنهم يقلدون دراويشهم حتى في معصية الله، فضلًا عن كبار مشايخهم. أما الحكومات الإسلامية فتبيح البغاء والميسر والفسق، وتحكم بغير ما أنزل الله: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44]، تحكم بقانون نابليون، وقانون فلان وعلان، ممن عرفوا بالمروق والإلحاد، فجعلوهم آلهة، فأضحت الأمم الإسلامية شرًا في كفرها من اليهود والنصارى!!...
توقف الأوقاف الكثيرة، ويا ليت وقفها كان على المسجد. بل على عتبة البدوي مثلًا وعلى خشب ضريح الشيخ الفلاني. وعلى سدنة الشيخ الفلاني وتترك المساجد التي أسست على التقوى للصلاة في المساجد التي أقامها الشيطان ليعبد فيها من دون الله، بل طالما والله رأينا أكابر العلماء يتسابقون للصلاة بداخل الأضرحة لعل نفحات من روحانية الشيخ أو الست ترتفع به وبصلاته إلى الله.
بعيني هاتين رأيت ذلك من عالم كبير[7] وكبير جدًا كما يقول بعض الأدباء!
أيها الدين الذي أضاعه أهله!! إن في السماء ربًا لا شك ناصرك.. ويرحم الله ابن الخطاب. إنه اجتث الشجرة التي بورك ذكرها في القرآن إذ جاءت في آية من آياته، اجتثها لا لشيء، إلا لأن بعض القوم كان يذهب للصلاة عندها.. ولكن لِمَ نطيل الحديث... إنهم يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاته فهل يصدقون شابًا يدلهم على سنته مثلي؟
[1] العلم الشامخ لصالح بن مهدي المقبلي علامة اليمن ص221 ط1.
[2] ص24 جـ 4 فانظر من أي عهد كانت هذه المذاهب سبباً في التقاتل بين المسلمين. من عشرة قرون أو أكثر.
[3] رسالة المؤمل في الرد إلى الأصل الأول ص14 - 23 لأبي شامة المتوفى سنة 665هـ.
[4] كتاب الفكر السامي للحجري الربع الرابع ص265.
[5] الفكر السامي الربع الرابع ص240 والحب هنا أن نقص قصة صغيرة للسادة العلماء ليعلموا إلى أي حد كان العلماء من قبل هم القادة وهم الزعماء وكانوا بحيث ترتعد فرائص الملوك فرقاً منهم:
في يوم قال ابن عبد السلام لأحد سلاطين بني أيوب ما حجتك عند الله إذا قال لك : لم أبوئ لك مصر ثم تبيح الخمور. فقال السلطان : هل جرى هذا؟ قال : نعم، الحانة الفلانية تباع فيها الخمور، فقال السلطان : يا سيدي أنا ما عملته هذا من زمان أبي. فقال الشيخ: أنت من الذين يقولون إنا وجدنا آباءنا على أمة فرسم السلطان بإبطال الحانة وسئل الشيخ بعد ذلك. أما خفته؟ فقال: والله يا بني لقد استحضرت هيبة الله تعالى فصار السلطان قدامي كالقط، طبقات السبكي جـ 5 ص82 ترى كم في مصر من حانة وماخور ومرقص تسفك فيه الأعراض وكم في مصر من العلماء؟
[6] من أراد زياد اطلاع على هذه النظرية وعلاقتها بالفكر الإسلامي فليقرأ كتاب "مذهب الذرة عند المسلمين، وعلاقته بمذاهب اليونان والهنود تأليف دكتور ببنيس ترجمة الأستاذ محمد أبو ريدة، وقد تحطمت الذرة وتحولت إلى إشعاع. فماذا يقول الأشاعرة؟
[7] لعل ذكياً من القراء يسأل ومتى رأيته وكيف؟ وجوابي : لما كنت مشركاً وإني لحديث عهد بالإسلام.
ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك