الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد ..
فإن الألفاظ أدوات التعبير عن المعاني التي في النفوس فاللفظ يطلق على عملية التلفظ ويطلق على ذات الكلمة المعبرة عن المعنى ..
فاللفظ الشرعي هو أساس الفهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ،لذا كانت العناية به ثبوتاً ورواية ،ودلالة ودراية
فعنى به من جهة الثبوت أي إثبات أن هذا اللفظ ورد عن الله سبحانه وتعالى في كتابه أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم
ودراية أي دلالته على المعنى الذي أراده الله سبحانه وتعالى أو أراده رسوله صلى الله عليه وسلم
وكثيرا هي دلالات هذه الألفاظ فهي بين العام والخاص والمطلق والمقيد ، وبين ما تدل على مراد المتكلم بصورة دقيقة فيكون اللفظ مطابقاً للمعنى المراد ،بحيث لا تحتمل وبين ما تدل عليه بصورة أقل دقة فيفهم منها اكثر من معنى ، نظرا لتداخل الدلالات واشتراك الألفاظ واختلاف الاستعمالات وهكذا ..
ولذا قسم علماء الأصول هذه الدلالات باعتبارات مختلفة :
تارة باعتبار ظهور المعنى وحفائه: فقسموه إلى النص والظاهر والمؤول والمجمل والمبين والمحكم والمتشابه ..
وتارة باعتبار مراتب دلالته : فقسموه إلى المنطوق والمفهوم ، والنص والاستنباط ..
وتارة باعتبار شموله لجميع لأفراده وأوصافه وأحواله : فقسموه إلى العام والخاص والمطلق والمقيد ...
فالشريعة إما أن تكون حكماً صريحاً لا يمكن تجاوزه،كأن يكون نصاً في مسألة جزئية أو إجماعاً قطعياً عليها ،أو حكماً يدل عليه قياس جلي ..
وإما أن تكون حكما مستفادًا من دلالة عموم كلي فيكون أحد أفراد العام،أو مندرجاً تحت قاعدة كلية تشمل جميع أفرادها ..
أو غير ذلك من طرق الاستنباط ..
وفي هذه الورقة نتاول مسألة أصولية متخصصة نوعاً ما ،حول دلالة العام وهل يشمل الشخاص والأحوال أم الأشخاص فقط ؟
وسبب الكلام في هذه المسألة هو الخلاف حول دلالة بعض الأدلة العامة التي يستدل بها على معاني معينة فيمنع المخالف دلالاتها على هذه المعاني بحجة أن العموم لا يشمل الأحول وأن دلالته تقتصر على الأشخاص بينما الأحوال تكون مطلقة لا عامة ..وثمة فرق بين الاطلاق والعموم !!
وهذه المسألة قد اختلف فيها أهل العلم ، ويذكر أن أول من أثارها هو الإمام القرافي رحمه الله وقرر أن العموم يقتصر على الأشخاص دون الأحوال فهي مطلقة !!
وقد رد عليه تقي الدين ابن دقيق العيد رداً وافياً وقرر أن العموم يشمل الافراد والأحوال والمتعلقات ،وقد يصح أن يشمل الأفراد دون الأحوال إذا لم يرجع ذلك على مقتضى العموم الوارد بالنقض ..
ولا شك أن القارئ الآن سيضرب كفاً بكف يتساءل ما هذا الكلام ؟!
وحينئذ يجب البيان !!
اللفظ العام في التشريع هو اللفظ الذي يدل على أفراد كثيرين اثنان فما فوق كلفظ كل أو جميع أو أسماء الاستفهام والموصولات والشرط كمن والذي فإذا جاءت هذه الألفاظ في الآية أو الحديث في سياق حكم معين فهي تدل أن الحكم يشمل جميع الأفراد ..
مثال قوله تعالى : إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار "
فـ " من " هنا شرطية وهي من ألفاظ العموم فتشمل جميع من يشرك بالله ويدخل في الحكم الوارد وهو أن الجنة محرمة عليه ومأواه النار عياذا بالله من النار .
فاللفظ العام بجميع صيغة هو الشامل لجميع ما يصلح له جملة واحدة دون حصر
ويقابله الخاص أي الذي يدل على فرد أو جماعة مخصوصة بحكم معين لا يتعداهم .
أما المطلق فهو الفظ الذي يدل على ما يصلح له ولكن على سبيل البدل
فهو يشترك مع العام في أنه يشمل جميع الأفراد من جهة الدلالة لكن لا يتنزل الحكم إلا على أحدهم
فقولنا :أكرم رجلاً
يشمل من جهة الدلالة جميع الرجال
لكنه لو أكرم رجلا واحدا يكون قد وفى بدلالة اللفظ لأن رجلا هنا نكرة تدل على شائع في جنس الرجال
ولكن لو جاء الرجل معرفاً بأل التعريف فإن الدلالة ستختلف ، كقوله صلى الله عليه وسلم : إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا
فهنا الرجل هنا معرفة تشمل جميع الرجال الذين يتكلمون بهذا الكلام
كقوله تعالى : "إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة "
فـ "بقرة " هنا تدل على أي بقرة في العالم من جهة الدلالة ولكنهم لو ذبحوا أي بقرة واحدة من أبقار العالم ، لوفوا بدلالة هذا اللفظ ،لأنه على سبيل البدل لا على سبيل الشمول .
وثمة أقوال بأن العموم يشمل الأفراد (الأشخاص) فقط ،وأما المطلق فيشمل الأحوال.
والأحوال هي ما يحيط بالفرد من زمان ومكان أو أوصاف تتعلق بها الأحكام الشرعية كإيمان وكفر الرقبة المعتقة أو لون البقرة التي أمر الله بها بني إسرائيل بذبحها وهكذا ، يعني هي كل ما يحيط بالشخص ...
والمسألة قيد البحث هي دلالة العام على الأشخاص والأحوال
مثال ذلك : قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين "
فلفظ الأولاد هنا معرف بالإضافة وهو من ألفاظ العموم فيشمل جميع الأولاد بلا استثناء ..
ولكن قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ميراث لقاتل ، وقوله ، لا يتوارث أهل ملتين، يتعارض مع هذا العموم بالضرورة
وقبل القول بالتخصيص جاء الخلاف !!
فمن قائل إن العموم (عموم الأولاد) دل فقط على الأشخاص دون أحوالهم ، فكان الحكم في الأحوال مطلقاً ،فلما جاء حكم النبي صلى الله عليه وسلم بعدم ميراث هؤلاء كان كلامه منشئا لحكم لم يتناوله حكم يخالفه فلا تعارض .
بخلاف لو أنا قلنا بأن العموم في الآية يشمل الأشخاص والأحوال ،بما يعني جميع الأولاد في أي زمان ومكان وأحوال ،والتي منها كون الوارث قاتلا أو غير قاتل ، كافرا أو مسلما ...
فهنا سيقال بأن حكم النبي صلى الله عليه وسلم قد عارض العموم الذي جاء في الآية فيذهب على التخصيص ..
يتبع ..
ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك